التسويق السياسي والإعلام الرقمي · تحليل حملة

السياسة بطعم الميمز: الاستراتيجيات الإعلامية لحملة ممداني في مواجهة كومو

كيف بنى ممداني حضورًا رقميًا مختلفًا عن كومو؟ قراءة في أربع استراتيجيات إعلامية أسهمت في زخم حملته خلال الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في نيويورك، في يونيو 2025.

غلاف السياسة بطعم الميمز يقارن بين ممداني وكومو
الفكرة الأساسية

قوة حملة ممداني كانت في تحويل البرنامج إلى محتوى مفهوم وشخصي وقابل للمشاركة، وربط الحضور الرقمي بعلاقة مباشرة مع الناخبين.

قراءة في التسويق السياسي والإعلام الرقمي

كيف استطاع ممداني أن يتفوق على منافسه، أندرو كومو، قبل يوم الانتخابات؟ وما الاستراتيجيات التي استخدمتها حملته وأسهمت في فوز بدا أشبه بزلزال سياسي؟

في السطور التالية، نتناول الحملتين من منظور التسويق السياسي والإعلام الرقمي، لا من زاوية المقارنة بين اليمين واليسار في الولايات المتحدة، أو تقييم الانحيازات السياسية المتضمنة في برنامجي المرشحين.

مجال عملي هو الإعلام السياسي والتسويق والديجيتال، ومن يتحدث في غير تخصصه قد يأتي بالعجائب. لذلك سنركز هنا على ما نعرفه: كيف تُبنى الحملة، وكيف تُقدَّم رسائلها، وكيف تصل إلى الجمهور. فلنربط الأحزمة.

على إكس: حضور شبابي مقابل حساب رسمي

قبل الحديث عن الاستراتيجيات، من المفيد النظر إلى حضور كل مرشح على المنصات الرقمية؛ فالفارق لم يكن في عدد المتابعين وحده، بل في طبيعة المحتوى والعلاقة التي بناها مع الجمهور.

امتلك ممداني حضورًا شبابيًا واسعًا وملفتًا على إكس. وأصبح اسمه خلال الحملة مدخلًا لجذب التفاعل؛ حتى تداول المستخدمون فكرة أن كتابة اسمه في تغريدة تكفي لجذب الإعجابات. وازداد حضور حسابه مع تقدم الحملة.

في المقابل، بدا حساب كومو رسميًا ورصينًا، لكنه لم يحقق الزخم نفسه. وبلغت نسبة الحديث عن ممداني إلى كومو أكثر من 30 إلى 1 عبر المنصات مجتمعة خلال يونيو، وفق بيانات Sprout Social التي نقلتها واشنطن بوست. [1]

هذا الفارق يعكس قدرة حملة ممداني على جعل المرشح جزءًا من المحادثة اليومية على الإنترنت.

على إنستجرام: شخصية حاضرة ومحتوى قابل للتفاعل

امتلأ حساب ممداني بفيديوهات قصيرة وإبداعية، لا تخلو من الكوميديا أو اللمسات الشخصية. كان الجمهور يرى المرشح وهو يتحرك في المدينة ويتفاعل مع الناس ويشرح أفكاره، لا وهو يلقي التصريحات فقط.

أما كومو، فظل محتواه أقرب إلى القالب التقليدي: مقتطفات من التصريحات، وصور من فعاليات الحملة، وتوثيق للقاءات. وجاء حضوره أقل حيوية مقارنة بممداني.

الأهم في المقارنة هو طبيعة العلاقة التي بناها كل مرشح مع متابعيه. فوجود الحساب لا يكفي؛ المطلوب سبب يدفع الناس إلى مشاهدته ومشاركته.

على تيك توك: فهم المنصة قبل النشر عليها

كان ممداني يدرك أهمية تيك توك في الوصول إلى الشباب. واعتمد محتواه على التفاعل، وشرح إجراءات التصويت، وتقديم برنامجه الاقتصادي بأسلوب خفيف ومبتكر. وهكذا أصبحت الأفكار السياسية قابلة للمشاركة والانتشار، بدل بقائها في شكل تصريحات طويلة.

في المقابل، بدا حضور كومو أقل قدرة على مجاراة هذه اللغة. ومن زاوية التسويق الرقمي، يلفت ذلك إلى خطأ شائع: نقل المحتوى نفسه بين المنصات، دون تكييفه مع طبيعة كل واحدة منها.

فالمداخلة التلفزيونية التي تصلح للنشر على يوتيوب لا تصبح تلقائيًا مادة مناسبة لتيك توك. لكل منصة إيقاعها وطريقة العرض التي ينتظرها جمهورها.

الاستراتيجية الأولى: السياسة بصيغة الميمز

استطاع ممداني تقديم السياسة بلغة قريبة من الشباب، مستخدمًا الميمز والفكاهة والأفكار البصرية لجذب الانتباه وشرح برنامجه.

وقد حقق معادلة يصعب على كثير من السياسيين الوصول إليها: محتوى خفيف يشرح قضية جادة، ويُظهر الجانب الإنساني للمرشح، ويبني علاقة شخصية بينه وبين الجمهور.

في يناير، شارك في السباحة الشتوية في كوني آيلاند، وربط المشهد برسالته عن «تجميد الإيجارات». وظهر أيضًا في فيديو يدخل مياه المحيط مرتديًا بدلة رسمية لتقديم الفكرة نفسها. أصبحت الصورة مدخلًا لفهم الرسالة وتذكرها. [3]

لم يعد البرنامج مجرد نص يقرأه المرشح أمام الكاميرا؛ بل فكرة تُقدَّم في مشهد يلفت الانتباه. كما استفاد ممداني من تعدد اللغات للوصول إلى مجتمعات مختلفة، ومن بينها مقاطع بالأردية والإسبانية.

أما كومو، فظهر بصورة السياسي التقليدي المخضرم. اتسم محتواه بالرسمية والجدية المفرطة، مع حضور محدود للجانب الشخصي الذي يمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى المرشح خارج تصريحاته الرسمية.

الاستراتيجية الثانية: المحتوى الفيروسي واستهداف الشباب

تميزت حملة ممداني بقدرتها على مخاطبة الشباب، وهي شريحة لم تمنحها حملة كومو وزنًا مماثلًا في أسلوبها الإعلامي.

ظهر توجه «كسب الإنترنت أولًا» في طبيعة المحتوى: فيديوهات قصيرة، وأفكار قابلة للتداول، ورسائل تُقدَّم بلغة تتناسب مع استخدام الشباب للمنصات.

لم تكتفِ الحملة بعرض البرنامج، بل بحثت عن الطريقة التي تجعل الجمهور يرغب في مشاهدته ومشاركته والتحدث عنه. وهنا تكمن أهمية المحتوى الفيروسي (Viral Content): حين يشارك الناس الرسالة داخل دوائرهم، يمتد انتشار الحملة إلى ما وراء حسابات المرشح الرسمية.

في المقابل، لم تتمكن حملة كومو من بناء الزخم الشبابي نفسه، وظلت أقرب إلى أساليب الاتصال السياسي التقليدية.

الاستراتيجية الثالثة: المؤثرون والحملات الرقمية المركزة

عند مراجعة حضور ممداني، يلفت النظر حجم التعاون مع الشخصيات العامة والمؤثرين، وطريقة تقديم كل تعاون. فالرسائل ارتبطت بطبيعة جمهور الشخصية المشاركة وبأسلوبها وبقالب المحتوى الذي يناسبها.

ظهر في دائرة الدعم أسماء مثل بيرني ساندرز وإميلي راتاكوسكي. لكن دعم سياسي معروف يختلف عن تعاون مع صانع محتوى؛ لكل منهما جمهوره وطريقة إسهامه في الحملة. ومن منظور تسويقي، توحي هذه الاختيارات بخطة تتجاوز جمع التأييدات إلى الاستفادة من العلاقة التي تربط كل شخصية بجمهورها. [3]

في المقابل، ظلت حملة كومو أقرب إلى النموذج التقليدي، مع اهتمام بالإعلانات التلفزيونية والمواد البريدية، وحضور رقمي أقل حيوية. كما ركزت جهات داعمة له على حملات مضادة لممداني، تحذر من سياساته الموصوفة بأنها «راديكالية».

الملاحظة التسويقية هنا أن التركيز على المنافس قد يستهلك مساحة كان يمكن استخدامها لشرح برنامج المرشح نفسه: ماذا يقدم؟ وكيف سيؤثر ذلك في حياة الناخب؟

وعلى مستوى التواصل، مال كومو إلى الظهور في فعاليات صغيرة ومحكومة الإعداد، أكثر من اللقاءات الجماهيرية الواسعة. [2]

كذلك اعتمد على الدعم المؤسسي. وهنا تظهر نقطة تستحق الانتباه: تأييد قيادة المؤسسة لا يعني تلقائيًا تأييد أفرادها. فالجهة التي تمنح التأييد مهمة، لكن قدرة هذا التأييد على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه مهمة أيضًا.

الاستراتيجية الرابعة: الرسائل الموجهة والقضايا المحلية

في تقديري، ركز استراتيجيو حملة ممداني على قضايا تمس الحياة اليومية للمواطن: الإيجارات، والمواصلات، وغلاء المعيشة. وكان تقديم هذه القضايا محددًا وقريبًا من التجربة الشخصية، بما يساعد الناخب على فهم علاقتها بحياته.

في أحد الفيديوهات، ظهر ممداني مع عاملين في عربات الطعام الحلال في نيويورك. وتناولوا إمكانية خفض سعر الوجبة من 10 دولارات إلى 7 دولارات إذا عولجت مشكلة التصاريح، وهي الفكرة التي ربط بها حملته للحد من ارتفاع الأسعار.

المشهد جمع بين أشخاص حقيقيين، ومشكلة واضحة، وأثر اقتصادي يستطيع الجمهور فهمه فورًا. وهذه نقطة أساسية في التسويق السياسي: كلما استطاع الناخب رؤية أثر المقترح في حياته، أصبحت الرسالة أقرب وأكثر قابلية للتذكر.

ماذا تكشف المقارنة بين الحملتين؟

تعكس المقارنة اختلافًا في فهم البيئة الإعلامية. قدمت حملة ممداني المرشح بوصفه شخصية يستطيع الجمهور التعرف إليها والتفاعل معها. واستخدمت المحتوى القصير والفكاهة وتعدد اللغات والتعاون مع الشخصيات العامة لتقديم رسائل مرتبطة بقضايا محلية ملموسة.

أما حملة كومو، فاعتمدت بدرجة أكبر على الرسمية والخبرة السياسية والدعم المؤسسي والإعلام التقليدي، دون أن تحقق الحضور الرقمي نفسه.

تناولت «ذا نيشن» كيف تحول الحضور الرقمي إلى تنظيم ومشاركة على الأرض؛ وهي زاوية مهمة لفهم العلاقة بين كسب الإنترنت والعمل الانتخابي المباشر. فالتفاعل امتد إلى التطوع والتواصل مع الناخبين. [3]

ومن زاوية التسويق، فإن أبرز ما يستحق الدراسة هو قدرة حملة ممداني على تحويل البرنامج إلى محتوى مفهوم، وتحويل المرشح إلى شخصية حاضرة في المحادثات اليومية.

على الهامش: حدود هذه القراءة

مثّل دعم ممداني للفلسطينيين ورفضه للإبادة مغامرة سياسية كبيرة، خصوصًا في مدينة مثل نيويورك، التي تضم تجمعًا يهوديًا كبيرًا. [4]

لكن هذا المقال يتناول الجانب الفني للتسويق السياسي والاستراتيجية الإعلامية، دون أن يتحول إلى مقارنة بين اليسار واليمين.

وهذا لا يلغي وضوح انحياز خطاب ممداني إلى الشرائح المهمشة، في مقابل انتقاده لتراكم الثروات لدى فئات محدودة. فالرسالة السياسية حاضرة، بينما يركز تحليلنا هنا على كيفية صياغتها وتقديمها وإيصالها إلى الجمهور.

المصادر والمراجعة

روابط المصادر الأصلية المستخدمة في المقال. آخر مراجعة تحريرية: 14 أكتوبر 2026.

  1. The Washington Post — How Zohran Mamdani used social media to build a movement26 June 2025
  2. The Guardian — New Yorkers vote in mayoral primary as poll shows Mamdani leading Cuomo24 June 2025
  3. The Nation — Zohran Mamdani Won the Internet25 June 2025
  4. The Nation — The Smear Campaign Against Zohran Mamdani Failed27 June 2025
العودة إلى بداية المقال